علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

115

ثمرات الأوراق

المنصور : منذ كم تزوّجتها ؟ قال : منذ سنة ، قال : تزوّجتها بكرا أم ثيّبا ؟ قال : ثيّبا ، قال : شابّة أم مسنّة ؟ قال : شابّة . فدعا المنصور بقارورة طيب ، وقال : تطيّب بهذا ، فإنّه يذهب همّك ، فأخذها وانقلب إلى أهله . فقال المنصور لجماعة من نقبائه : اقعدوا على أبواب المدينة ، فمن مرّ بكم وشممتم فيه روائح هذا الطّيب فأتوني به ، ومضى الرجل بالطّيب إلى بيته ، فدفعه إلى المرأة ، وقال : هذا من طيب أمير المؤمنين ، فلمّا شمّته أعجبها إلى الغاية ، فبعثت به إلى رجل كانت تحبّه ، وهو الذي دفعت إليه المال ، فقالت له : تطيّب بهذا الطّيب ، فتطيّب به ، ومرّ مجتازا ببعض الأبواب ، ففاحت منه روائح الطّيب ، فأخذ ، وأتي به إلى المنصور ، فقال له : من أين استفدت هذا الطيب ؟ فتلجلج في كلامه ، فسلّمه إلى صاحب شرطته ، وقال له : إن أحضر كذا وكذا من الدنانير فخلّه « 1 » ، وإلّا فاضربه ألف سوط فما هو إلّا أن جرّد وهدّد حتى أذعن بردّ الدنانير وأحضرها كهيئتها ، ثم أعلم المنصور بذلك ، فدعا صاحب الدّنانير وقال له : أرأيتك إن رددت عليك متاعك بعينه أتحكّمني في امرأتك ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : ها هي دنانيرك ، وقد طلقت امرأتك ، وقصّ عليه الخبر . ومن ذلك ما روي عن المهديّ وهو : أنّ شريك بن عبد اللّه القاضي ، دخل عليه يوما ، فأراد أن يبخّره ، فقال للخادم : أحضر للقاضي عودا ، فذهب الخادم فجاء بالعود الذي يلهى به ، فوضعه في حجر شريك ، فاضطرب شريك من ذلك ، وقال : ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : عود أخذه صاحب العسس البارحة ، فأحببنا أن يكون كسره على يد القاضي ، فقال شريك : جزاك اللّه خيرا يا أمير المؤمنين ! ثم أفاضوا في الحديث حتى نسي الأمر ، فقال المهديّ لشريك : ما تقول في رجل أمر وكيلا له أن يأتي بشيء بعينه فجاء بغيره فتلف ذلك الشيء ؟ فقال : يضمن يا أمير المؤمنين ، فقال للخادم : اضمن ما أتلفت . ومن ذلك ما حكي أنّه قدم رجل إلى بغداد ومعه عقد يساوي ألف دينار ، فأراد بيعه فلم يتّفق . فجاء إلى عطّار موصوف بالخير والدّيانة ، فأودع العقد عنده ، وحجّ ، وأتى بهديّة للعطّار ، وسلّم عليه ، فقال له : من أنت ! ومن يعرفك ؟ فقال : أنا صاحب العقد ، فلمّا كلّمه رفسه وألقاه عن دكانه ، فاجتمع الناس وقالوا : ويلك ! هذا رجل صالح ، فما وجدت من تكذب عليه إلّا هذا ! فتحيّر الحاج ، وتردّد عليه « 2 » ، فما زاده إلّا شتما وضربا ، فقيل له : لو ذهبت إلى عضد الدّولة لحصل لك من فراسته خير ،

--> ( 1 ) في ط : « فخذ منه » . ( 2 ) ط : « إليه » .